سيد محمد طنطاوي
273
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
فيه من أخطاء فإن الإيمان يوجب قوة القلب ، وصدق العزيمة ، والصمود في وجه الأعداء ، والإصرار على قتالهم حتى تكون كلمة اللَّه هي العليا . والتعليق بالشرط في قوله * ( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) * المراد منه التهييج لنفوسهم حتى يكون تمسكها بالإيمان أشد وأقوى ، إذ قد علم اللَّه - تعالى - أنهم مؤمنون ، ولكنهم لما لاح عليهم الوهن والحزن بسبب ما أصابهم في أحد صاروا بمنزلة من ضعف يقينه ، فقيل لهم : إن كنتم مؤمنين حقا فاتركوا الوهن والحزن وجدوا في قتال أعدائكم ، فإن سنة اللَّه في خلقه اقتضت أن تصيبوا من أعدائكم وأن تصابوا منهم إلا أن العاقبة ستكون لكم . فالآية الكريمة تحريض للمؤمنين على الجهاد والصبر ، وتشجيع على القتال وتسلية لهم عما أصابهم ، وبشارة بأن النصر في النهاية سيكون حليفهم . ثم أضاف - سبحانه - إلى ذلك تسلية جديدة لهم ، فأخبرهم بأن ما أصابهم من جراح وآلام قد أصيب أعداؤهم بمثله فقال - تعالى - : * ( إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُه ) * . فقال الفخر الرازي : واعلم أن هذا من تمام قوله - تعالى - * ( ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ ) * فبين - تعالى - أن الذي يصيبهم من القرح لا يصح أن يزيل جدهم واجتهادهم في جهاد العدو ، وذلك لأنه كما أصابهم ذلك فقد أصاب عدوهم مثله قبل ذلك ، فإذا كانوا مع باطلهم وسوء عاقبتهم لم يفتروا لأجل ذلك في الحرب ، فبأن لا يلحقكم الفتور مع حسن العاقبة والتمسك بالحق أولى « 1 » . والمراد بالمس هنا : الإصابة بالجراح ونحوها . والقرح - بفتح القاف - الجرح الذي يصيب الإنسان ، والقرح - بضم القاف - الألم الذي يترتب على ذلك وقيل هما لغتان بمعنى واحد وهو الجرح وأثره . والمعنى : إن تكونوا - أيها المؤمنون - قد أصابتكم الجراح من المشركين في غزوة أحد ، فأنتم قد أنزلتم بهم من الجراح في غزوة بدر مثل ما أنزلوا بكم في أحد ، ومع ذلك فإنهم بعد بدر قد عادوا لقتالكم ، فأنتم أولى بسبب إيمانكم ويقينكم ألا تهنوا وألا تحزنوا لما أصابكم في أحد وأن تعقدوا العزم على منازلتهم حتى يظهر أمر اللَّه وهم كارهون . وقيل : إن المعنى إن تصبكم الجراح في أحد فقد أصيب القوم بجراح مثلها في هذه المعركة ذاتها .
--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 14 .